عمر فروخ

36

تاريخ الأدب العربي

زمن بعيد جدا ، ثم عادت فانفصلت من المجموعة الشمالية أيضا منذ زمن بعيد . وإذا نحن اعتبرنا اللغة العربية وجدناها أكثر أخواتها الساميات مفردات وأئمّها صيغا وأكملها صرفا ونحوا وأرقاها بيانا وبلاغة وأحسنها أسلوبا . من أجل ذلك لا نستبعد أن تكون اللغة العربية هي اللغة السامية الأم الفصحى « 1 » ، وأن سائر اللغات السامية ، من شمالية كالبابلية والكنعانية والآرامية ، ومن جنوبية كالحبشية والحميرية ، لهجات . ومع كثرة الصلات التي كانت بين عرب الشمال وعرب الجنوب ، منذ أقدم الأزمنة ، فان لغة حمير ( اليمن ) ابتعدت كثيرا عن اللغة المضرية ( العربية الشمالية التي نزل بها القرآن الكريم ) حتى قال أبو عمرو بن العلاء « 2 » ، منذ صدر الدولة العباسية : « ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيّتهم بعربيّتنا » . لغة مضر ولهجاتها وكان جميع العرب الذين كانوا يسكنون النصف الشمالي من شبه الجزيرة ، في البحرين واليمامة ونجد والحجاز - سواء أكانوا ينتسبون إلى مضر أو إلى اليمن - يتكلّمون لغة واحدة وينظمون فيها أشعارهم . لقد رأينا شعراء الجاهلية من أي المواطن كانوا ، ينظمون قصائدهم بلغة واحدة في كل شيء ، ثم يحملون تلك القصائد لينشدوها في جميع أقسام بلاد العرب وفي العراق والشام ، حتى في اليمن نفسها ، مما يدل على أن لغة مضر كانت في الجاهلية اللغة العامة للعرب كلّهم . على أن هذا لم يمنع أن يكون للعرب لهجات محلية مأنوسة في قبيلة قبيلة . على أن معنى اللهجة هنا إنما هو استعمال ألفاظ مختلفة للمعنى الواحد في بعض الأحيان والمجيء بصيغ متباينة لتلك الألفاظ أحيانا . أما التركيب ، وأما النحو والمنطق اللغوي ، فكانت كلها واحدة . ففي الحجاز مثلا كانوا يسهّلون الهمزة فيقولون : سال ، سل ، وكّد ، كلاك ؛ بينما كان أهل نجد يقولون : سأل ، اسأل ، أكّد ، كلأك . وكان أهل الحجاز يقولون : وعد ( بمعنى : هدد ) . وكان بعضهم يقول : سكّين ، بينما بعضهم الآخر كان يسمّي السكّين مدية .

--> ( 1 ) راجع مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق 6 : 529 - 533 . ( 2 ) طبقات الشعراء 4 - 5 .